بسم الله الرحمن الرحيم
يستشهد بعض الذين يُجيزون القراءة بالمعنى بحديث “طعام الفاجر” على أن الرسول ﷺ كان يُقرأ عليه بالمعنى ويُقرّ ذلك, وهذا الحديث هو:
«يا أبا ذر ما أحبّ أن لي مثل أحدٍ ذهبًا تمضي عليّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدَين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا» وحثا أمامه وعن يمينه وعن شماله، ثم قال: «يا أبا ذر الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا». ثم قال: «مكانك لا تبرح» فانطلق فلبث مليًا ثم رجع وهو يقول: “قد أفلح من خلصت نيته”، فقلت: ما شأنك؟ وقلت: أمرتني أن لا أبرح, ما أراك إلا قد ذهبت؟ فقال: «يا أبا ذر إن جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة»، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق، وإن شرب الخمر». وفي رواية الترمذي والبخاري في موضع: «على رغم أنف أبي ذر».
وبعض روايات هذا الحديث فيها “طعام الفاجر” بدل “طعام الفجور”. وقد تساءل بعضهم: هل كان أبو ذر يكذب؟ وأجاب المجيزون بأن الصحابة كانوا يُبدّلون الألفاظ بمعانيها, وأن النبي ﷺ كان يُقرّ ذلك.
وهذا الاستدلال فاسد من وجوه:
أولاً: الحديث المُستشهَد به لم يُروَ بنصه أصلاً في أي رواية, بل إن الروايات المحفوظة عن أبي ذر في هذا الشأن لا تحتوي على لفظ “طعام الفاجر” أو “طعام الفجور”. وإنما هذا اللفظ جاء في رواية واحدة ضعيفة وليست من باب التبديل.
ثانياً: حتى لو افترضنا صحة هذه الرواية, فإن هذا الحديث ليس من القرآن الكريم, بل هو رواية لحديث نبوي. وباب حديث النبي ﷺ يختلف اختلافاً جذرياً عن باب رواية القرآن, لأن العلماء أجازوا رواية الحديث بالمعنى لمن عرف ذلك, بخلاف القرآن الذي يجب رواية ألفاظه بعينها.
ثالثاً: الاستشهاد بهذا على جواز القراءة بالمعنى في القرآن قياسٌ فاسد, لأن القرآن يختلف في طبيعته عن الحديث اختلافاً جوهرياً. فالقرآن هو كلام الله الذي نزل بلفظه ومعناه معاً, ولا تجوز المبادلة فيه, بعكس الحديث النبوي.
رابعاً: من العلماء الذين أجازوا الرواية بالمعنى في الحديث من صرّح بعدم جواز ذلك في القرآن, مما يدل على وضوح الفارق بين البابين.
لذا فإن الاستشهاد بحديث “طعام الفاجر” على جواز القراءة بالمعنى في القرآن استشهاد غير صحيح, لأنه خلط بين بابين مختلفين: باب رواية الحديث وباب رواية القرآن.
المصادر:
[1] صحيح البخاري 6445
[2] صحيح مسلم 94
[3] مسند أحمد 21362
[4] صحيح ابن حبان 224
[5] المعجم الكبير للطبراني 1647
[6] سنن ابن ماجة 4129
[7] مصنف ابن أبي شيبة 35476
[8] شرح النووي على مسلم 2/64
[9] فتح الباري 11/261
[10] التمهيد 24/278
[11] الجامع لأحكام القرآن 1/64
[12] تاريخ دمشق 1/223
[13] تاريخ دمشق 25/505-506
